ابن ميثم البحراني
313
شرح نهج البلاغة
الثانية : منزلته الخصيصة به وأشار بها إلى ما شرحه من فعله به صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وهو وضعه له في حجره وليدا وساير ما ذكره . ومبدء ذلك ما روى عن مجاهد قال : كان من نعمة اللَّه على عليّ عليه السّلام ما صنعه اللَّه له وأراد به من الخير أنّ قريشا أصابتهم أزمّة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لعمّه العبّاس وكان أيسر بني هاشم : يا عبّاس إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمّة فانطلق بنا لنخفّف عنه من عياله فآخذ واحدا من بنيه وتأخذ واحدا فنكفيهم عنه فانطلقا إليه وقالا له . فقال : إن تركتمالى عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عليّا عليه السّلام وأخذ العبّاس جعفرا فكفّلاهما . وقد كان أبو طالب كفّل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم دون غيره من أعمامه وربّاه في حجره ثمّ حماه من المشركين في مبدء أمره ونصره عند ظهور دعوته وذلك ممّا يؤكَّد اختصاص منزلة عليّ عليه السّلام عنده . ومن منزلته الخصيصة به ما كان بينهما من المصاهرة الَّتي أفضت إلى النسل الأطهر دون غيره من الأصهار ، وفي معنى قوله : فكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه ما رواه الحسن بن زيد بن عليّ بن الحسين عليهم السّلام قال : سمعت زيدا أبى يقول : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يمضغ اللحمة أو التمرة حتّى تلين ويجعلها في فم عليّ عليه السّلام وهو صغير في حجره . الثالثة : أنّه لم يجد له كذبة في قول ولا خطلة في فعل ، وذلك لما استعدّ به من تربيته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وساير متمّمات الرياضة وأعراضها لاستيلاء قوّته العاقلة على قوّتي الشهويّة والغضبيّة وقهر نفسه الأمّارة الَّتي هي مبدء خطأ الأقوال وخطل الأفعال حتّى حصلت له عن ذلك ملكة في ترك الرذائل واجتناب المآثم والمعاصي فصار له ذلك خلقا وطبعا . وإذا حقّق معنى العصمة في حقّه عليه السّلام وفي حقّ من ادّعيت له العصمة من أولاده يعود إلى هذه الملكة . فليس لاستكبارها [ لاستنكارها خ ] في حقّهم عليه السّلام معنى ، وأشار بالملك الَّذي قرنه به إلى جبرئيل وهو العقل الفعّال في عرف قوم . واقترانه به إشارة إلى تولَّيه بتربية نفسه القدسيّة بإفاضة العلوم ومكارم الأخلاق وسائر الطرق المؤدّية إلى اللَّه سبحانه من حين صغره صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم